الشيخ الجواهري

443

جواهر الكلام

إن رجلا قال للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إن في حجري يتيما أفآكل من ماله ؟ قال : بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق " أي غير مستأصل للمال ، ولا واق بماله مالك . نعم لو لم يكن لفعله أجرة في العادة كوضع الدارهم والدنانير عنده ، أو كان المال قليلا غير محتاج إلى عمل له أجرة يعتد بها عرفا لم يأخذ شيئا ، على ما أومأ إليه في بعض النصوص السابقة ، كما أنه ينبغي له التعفف لو كان غنيا غير محتاج كي يمنعه اشتغاله بمال اليتيم عن قوته وقوت الواجبي النفقة ، فإن الآية وإن اشتملت على الأمر الظاهر في الوجوب خصوصا في أوامر الكتاب ، لكن المادة تشعر بالندب ، فيضعف الظن بإرادته منه على وجه يعارض ما سمعته من القاعدة والصحيح وغيرهما ، سيما في الأعمال التي لا يجب عليه مباشرتها ، كالتنمية ونحوها ، فدعوى أن له بذل الأجرة للغير دون نفسه واضحة الفساد ، بل هي كذلك في كل عمل كان له ذلك فيه ، ضرورة عدم الفرق بينه وبين غيره في ذلك ، بل لعله أولى باعتبار بقاء نظره على مال الطفل واحتياطه عليه . ومن ذلك يظهر لك ضعف التفصيل بين الفقير والغني في الاستحقاق وعدمه كما أن منه يظهر لك ضعف مستند الأقوال البقية التي وجهها الأخذ بالآية ، وما ورد في تفسيرها في خصوص الفقير ، أو الجمع بينها وبين ما دل على وجوب الأجرة بأخذ الأقل منهما الذي هو الأحسن في مال الطفل المنهي عن القرب إلى ماله إلا بالتي هي أحسن ( 1 ) ، ولأن الكفاية إن كانت أقل من الأجرة فمع حصولها يكون غنيا يجب عليه الاستعفاف ، وإن كانت الأجرة أقل فهو لا يستحق الأزيد في البالغ ، فضلا عن اليتيم ، واستجوده في المسالك لو تحقق للكفاية معنى مضبوط ، قال : " لأنه إن أريد بالأكل بالمعروف المتعارف كما يظهر من الآية والرواية وجعل مختصا بالولي لا يتعدى إلى عياله ، فلا منافاة بين الفقر وحصول الكفاية منه بهذا الاعتبار حينئذ ، لأن حصول القوت محتاج إلى مؤنة السنة من نفقة وكسوة ومسكن وغيرها حتى يتحقق ارتفاع الفقر ، إذ لم يشترط حصول ذلك في

--> ( 1 ) سورة الأنعام الآية 152 .